عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

14

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : أنّها في موضع نصب على الاشتغال بإضمار فعل يفسّره ما بعده ، ويقدّر الفعل متأخّرا عن « كم » ؛ لأن لها صدر الكلام ، والتّقدير : وكم من قرية أهلكناها [ أهلكناها ] ، وإنّما كان لها صدر الكلام لوجهين : أحدهما : مضارعتها ل « كم » الاستفهامية . والثاني : أنّها نقيضة « ربّ » ؛ لأنّها للتكثير و « ربّ » للتّقليل فحمل النقيض على نقيضه كما يحملون النظير على نظيره ، ولا بد من حذف مضاف في الكلام لقوله تعالى : أَوْ هُمْ قائِلُونَ فاضطررنا إلى تقدير محذوف ؛ لأن البأس لا يليق بالأهل ، ولقوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ فعاد الضمير إلى أهل القرية ، وأيضا فلأن التّحذير لا يقع إلّا للمكلّفين ، وأيضا والقائلة لا تليق إلّا بالأهل . ثم منهم من قدّره قبل قرية أي : كم من أهل قرية ، ومنهم من قدّره قبل « ها » في أهلكناها أي : أهلكنا أهلها ، وهذا ليس بشيء ؛ لأن التّقادير إنّما تكون لأجل الحاجة ، والحاجة لا تدعو إلى تقدير هذا المضاف في هذين الموضعين المذكورين ؛ لأن إهلاك القرية يمكن أن يقع عليها نفسها ، فإن القرى قد تهلك بالخسف والهدم والحريق والغرق ونحوه ، وإنما يحتاج إلى ذلك عند قوله : « فجاءها » لأجل عود الضّمير من قوله : « هم قائلون » عليه ، فيقدّر : وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلها بأسنا . قال الزّمخشريّ « 1 » : فإن قلت : هل يقدّر المضاف الذي هو الأهل قبل القرية ، أو قبل الضّمير في « أهلكناها » . قلت : إنّما يقدّر المضاف للحاجة ، ولا حاجة فإن القرية تهلك ، كما يهلك أهلها وإنّما قدّرناه قبل الضمير في « فجاءها » لقوله : أَوْ هُمْ قائِلُونَ وظاهر الآية : أنّ مجيء البأس بعد الإهلاك وعقيبه ؛ لأنّ الفاء تعطي ذلك لكن الواقع إنما هو مجيء البأس ، وبعده يقع الإهلاك . فمن النّحاة من قال : الفاء تأتي بمعنى « الواو » فلا ترتب ، وجعل من ذلك هذه الآية ، وهو ضعيف ، والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين : أحدهما : أنّه على حذف الإرادة أي : أردنا إهلاكها كقوله : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [ المائدة : 6 ] ، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [ النحل : 98 ] ، « إذا دخل أحدكم الخلاء فليسم [ اللّه ] » « 2 » ، وقيل : حكمنا بهلاكها . الثاني : أنّ معنى « أهلكناها » أي : خذلناهم ولم نوفقهم فنشأ عن ذلك هلاكهم ، فعبر بالمسبّب عن سببه وهو باب واسع . وثمّ أجوبة ضعيفة ؛ منها : أنّ الفاء هاهنا تفسيرية نحو : « توضّأ فغسل وجهه ثم يديه » فليست للتعقيب ومنها أنّها للتّرتيب في القول فقط كما

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف للزمخشري 2 / 87 . ( 2 ) سقط من أ .